على مدار أكثر من خمسة عشر عامًا من العمل في مجال الطب النفسي في عمّان والعديد من المحافظات الأخرى في الأردن، شهدتُ قصصًا مؤلمة لعائلات اضطرت للبحث عن العلاج أو الاستشارة النفسية في الخارج، غالبًا من خلال خدمات عبر الإنترنت أو مراكز غير مرخّصة في تلك الدول. هذه الظاهرة – التي تُعرف باسم العلاج الأسري عبر الحدود – أصبحت شائعة بشكل متزايد في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأردن. يلجأ الكثيرون إلى هذا الحل أملاً في الحصول على أساليب “أكثر حداثة”، أو بتكلفة أقل، أو بناءً على توصيات يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن في الحقيقة، عندما يغيب الإشراف المهني، فإن العلاج النفسي أو التدخل الأسري عن بُعد، إذا لم يلتزم بالمعايير الطبية، قد يترك آثارًا خطيرة وطويلة الأمد على الصحة النفسية والجسدية وحتى على العلاقات بين أفراد الأسرة.
أفاد تقرير صادر عن الجمعية الأردنية للطب النفسي عام 2024 بما يلي: حوالي 18% من جلسات العلاج النفسي عبر الإنترنت في الأردن يتم تقديمها من قبل أفراد أو مؤسسات خارجية لا تملك ترخيصًا لمزاولة المهنة في الأردن.من بين هؤلاء، أفاد 42% من المرضى بأنهم لم يحققوا أي تحسن أو أن حالتهم تدهورت بعد 6 أشهر.والأسوأ، أن 1 من كل 5 حالات اضطر للدخول إلى المستشفى بشكل طارئ بسبب أعراض اكتئاب حاد أو اضطراب قلق شديد بعد جلسات “استشارة” غير مهنية.هذه الأرقام ليست سوى الجزء الظاهر من المشكلة، إذ أن العديد من الأسر لا تكشف عن لجوئها لهذه الخدمات عند حدوث مضاعفات.
مؤخرًا، استقبلتُ أسرة من إربد. كان ابنهم البالغ من العمر 15 عامًا يعاني من اضطراب القلق الاجتماعي، وقد سجّلته العائلة في “برنامج علاج أسري” عبر الإنترنت مع شخص يزعم أنه مختص في أوروبا. لم يتم إجراء تقييم سريري أولي، ولا فحص طبي، وكانت جميع الجلسات عبر الفيديو لمدة 30 دقيقة فقط. بعد 3 أشهر، ساءت حالته: أرق مستمر، خفقان سريع، وبدأت تراوده أفكار لإيذاء نفسه. وعند إحضاره إلى المستشفى، أظهر تخطيط القلب الكهربائي (ECG) اضطرابًا في النظم القلبي – وهي مضاعفات قد ترتبط بالقلق المزمن غير المعالج. اضطررنا إلى إجراء علاج نفسي وتدخّل قلبي عاجل. لو تم عرضه على مركز مختص في الأردن منذ البداية، لكان من الممكن تجنب هذه الحالة تمامًا.
غياب التقييم الطبي الشامل[ul data=1]العلاج النفسي ليس مجرد محادثة. لدى المراهقين أو البالغين الذين يعانون من أمراض قلبية، يمكن للقلق أو الاكتئاب أن يؤثر مباشرة على النظم القلبي وضغط الدم والدورة الدموية.العديد من “المختصين” في الخارج يتجاوزون خطوة الفحص الطبي الأولي، مما يؤدي إلى إغفال أمراض قلبية كامنة.عدم الالتزام بالقوانين وأخلاقيات المهنة[ul data=1]في الأردن، يخضع الأطباء النفسيون والمعالجون لرقابة صارمة، ويجب أن يحملوا تراخيص ويلتزموا بالمعايير المهنية.عند تلقي الخدمة من الخارج، يصبح ضبط الجودة وتحميل المسؤولية القانونية أمرًا شبه مستحيل.خطر التدخل بأسلوب غير مناسب[ul data=1]بعض الأساليب قد تثير أو تزيد من حدة اضطرابات نفسية موجودة مسبقًا.في العلاج الأسري، قد يتسبب التدخل الخاطئ في زيادة الصراعات داخل الأسرة بدلًا من حلها.لماذا يجب اللجوء إلى الفحص والتشخيص المهني؟ في المراكز الطبية المتخصصة في الأردن، يبدأ علاج الاضطرابات النفسية والعلاج الأسري بـ: فحص سريري شامل: يشمل تقييم الصحة النفسية والجسدية، وقياس ضغط الدم، وفحوص الدم، وفحص القلب عند الحاجة.تشخيص باستخدام أجهزة حديثة: تخطيط القلب الكهربائي (ECG)، جهاز قياس الأكسجين في الدم (SpO₂)، أنظمة تحليل النوم، وأدوات التقييم النفسي المعيارية عالميًا.فريق متعدد التخصصات: يضم أطباء نفسيين، وأخصائيين نفسيين، وأطباء قلب، وأخصائيين اجتماعيين لضمان رعاية متكاملة.
أظهرت أبحاث – منها دراسة في المجلة الطبية الأردنية عام 2022 – ما يلي: المصابون باضطراب القلق المزمن أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب بنسبة 40% مقارنة بغيرهم.الاكتئاب الحاد يزيد خطر الوفاة بسبب مضاعفات قلبية بنسبة تصل إلى 25%.عند الأطفال والمراهقين، يمكن للتوتر المزمن أن يغير النظم القلبي، ويؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم المبكر، ويؤثر سلبًا على النمو الجسدي.
منع المضاعفات الخطيرة: السيطرة المبكرة على القلق والاكتئاب تخفف الضغط على القلب وتمنع اضطرابات النظم.تحسين جودة حياة الأسرة: العلاج السليم يعزز التواصل، ويقلل النزاعات، ويوفر بيئة نفسية صحية للأطفال.توفير التكاليف على المدى الطويل: العلاج المبكر أقل تكلفة بكثير من التعامل مع المضاعفات المتأخرة.
بصفتي طبيبًا نفسيًا وابنًا لهذا الوطن، أفهم رغبة العائلات في توفير أفضل الخدمات لأبنائها. لكن الأمان والفعالية يجب أن يكونا في المقدمة. اختاروا المراكز الطبية المحلية أو الخدمات الإلكترونية المرخصة والخاضعة للرقابة. لا تدعوا العروض البراقة على الإنترنت تكون على حساب صحة وسعادة أسركم. جلسة مهنية واحدة اليوم قد تنقذ قلب وعقل طفلك غدًا.