وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يُقدّر أن ربع سكان دول الشرق الأوسط سيعانون من اضطراب نفسي واحد على الأقل خلال حياتهم. في الأردن، أظهر مسح لوزارة الصحة عام 2022 أن أكثر من 35٪ من المصابين باضطرابات القلق أو الاكتئاب لم يلجؤوا قط إلى الخدمات الطبية. السبب الأكثر شيوعًا؟ "الخوف من حكم الآخرين". والأمر المقلق أكثر هو مدة تأخير العلاج. أظهرت دراسة في مستشفى الجامعة الأردنية أن مرضى الاضطرابات النفسية في الأردن يحتاجون في المتوسط من 7 إلى 10 سنوات منذ ظهور الأعراض وحتى الوصول إلى العلاج المتخصص. خلال هذه الفترة، غالبًا ما تتفاقم الحالة، مما يؤدي إلى عواقب يصعب عكسها.
في أحد أيام الشتاء، استقبلت شابًا يبلغ من العمر 23 عامًا أحضرته عائلته وهو في حالة إنهاك شديد، يعاني من أرق شبه كامل، ولديه أفكار انتحارية. كان مصابًا باكتئاب حاد لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، لكن عائلته كانت تعتقد دائمًا أن "هذا مجرد تفكير سلبي ويحتاج أن يكون قويًا". وعندما بدأ في إيذاء نفسه، لجؤوا إلى المستشفى. للأسف، في تلك المرحلة، كان العلاج يحتاج إلى وقت وتدخلات متخصصة أكبر بكثير مقارنة بما لو تم اكتشاف الحالة مبكرًا. حالة أخرى كانت لامرأة في منتصف العمر تعاني من اضطراب قلق مزمن. بسبب خوفها من حديث الجيران والأقارب، لم تذهب أبدًا إلى الطبيب. استمر المرض لسنوات، مما أدى إلى أرق مستمر، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب في نبض القلب. وعند دخولها المستشفى، اكتشف طبيب القلب أن لديها تلفًا في القلب نتيجة ارتفاع ضغط الدم المزمن — وهو مضاعفة كان يمكن الوقاية منها تمامًا لو تمت معالجة حالتها النفسية من البداية.
الكثيرون لا يعلمون أن هناك علاقة وثيقة بين الصحة النفسية وصحة القلب. فالاكتئاب، والقلق، والتوتر المزمن يمكن أن: يرفع ضغط الدم بسبب التحفيز المستمر للجهاز العصبي الودي.يسبب اضطرابًا في ضربات القلب نتيجة اختلال التوازن في الجهاز العصبي اللاإرادي.يزيد من خطر الإصابة باحتشاء عضلة القلب وفشل القلب نتيجة التأثيرات السلبية على الأوعية الدموية.يزيد من سوء أمراض القلب القائمة، مما يجعل علاجها أكثر تعقيدًا.هذا يعني أن الشخص الذي يتجنب العلاج النفسي خوفًا من الوصمة لا يواجه فقط عواقب نفسية، بل هو أيضًا عرضة بشكل أكبر للإصابة بأمراض قلبية خطيرة.
تجربتي أظهرت أن الفرق بين مريض تم تشخيصه وعلاجه مبكرًا، وآخر تأخر في ذلك، هو فرق كبير في جودة الحياة. هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل الفحص النفسي المتخصص أمرًا بالغ الأهمية: الأعراض النفسية سهلة الالتباس — التعب، الأرق، الصداع، وخفقان القلب يمكن أن تُفسر على أنها "ضغط مؤقت" أو "قلة نوم"، لكنها قد تكون في الحقيقة علامات على الاكتئاب أو القلق أو الاضطراب ثنائي القطب.الحاجة إلى أجهزة وتقنيات حديثة — في المراكز المتخصصة، نستخدم أدوات تقييم سريرية معتمدة دوليًا، مع فحوصات الدم، وتخطيط القلب الكهربائي، وتصوير القلب بالموجات فوق الصوتية، وقياس تباين معدل ضربات القلب للكشف عن تأثيرات الأمراض النفسية على صحة القلب.المعرفة الطبية والخبرة — بخلفية طبية من جامعة الأردن ودورات متقدمة في الطب النفسي والعلاج النفسي، أطبق خطط علاج شخصية تجمع بين الأدوية، والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وأساليب الاسترخاء الحديثة لضمان الأمان والفعالية.
منع تطور المرض — الاكتئاب، القلق، أو الاضطراب ثنائي القطب إذا عولجت مبكرًا يكون لها عادة إنذار جيد، مما يسمح للمريض بالحفاظ على الدراسة والعمل والعلاقات.تقليل المضاعفات القلبية — السيطرة الجيدة على الصحة النفسية تساعد في استقرار ضغط الدم، وتقليل اضطرابات النبض، وحماية القلب.تحسين جودة الحياة — النوم بشكل أفضل، شهية أفضل، تركيز أعلى، وزيادة القدرة على الاستمتاع بالحياة.تقليل العبء الاقتصادي — العلاج المبكر غالبًا ما يكون أقصر وأقل تكلفة من العلاج في المراحل المتأخرة.ما الذي يجب أن نغيره؟ إن وصمة المرض النفسي قضية ثقافية – اجتماعية تحتاج إلى مواجهة من خلال تثقيف المجتمع وتغيير الوعي: إعلام إيجابي — يجب أن تتناول وسائل الإعلام موضوع الصحة النفسية كجزء طبيعي من الرعاية الصحية الشاملة، بدلًا من التركيز عليه فقط في سياقات سلبية.تعزيز التثقيف المدرسي — يجب أن يتعلم الطلاب عن الصحة النفسية، وكيفية التعرف عليها، وطرق طلب المساعدة.تشجيع الفحوصات الدورية — كما هو الحال مع أمراض القلب أو السكري، يجب أن يصبح فحص الصحة النفسية جزءًا من الفحص الطبي السنوي الشامل.
لقد رأيت الكثير من المرضى يعانون ليس فقط من مرضهم، بل أيضًا من الصمت الناتج عن الخوف من الحكم الاجتماعي. كل يوم من التأخير هو يوم يسمح للمرض بالتقدم. إذا كنت أنت أو أحد أحبائك يعاني من القلق أو الاكتئاب أو الأرق أو تغييرات غير طبيعية في السلوك — فلا تنتظر. إن الصحة النفسية الجيدة لا تحمي العقل فقط، بل تحمي القلب أيضًا. ومع تقدم الطب الحديث، يمكننا التعافي تمامًا، إذا بدأنا اليوم.