كان ذلك في ليلة صيفية حارة. تم نقل سيدة حامل تبلغ من العمر 32 عامًا وهي تعاني من آلام بطن شديدة، ونزيف مهبلي غزير، وبطء في نبضات قلب الجنين. اشتبهنا في حدوث انفصال مشيمة مبكر كمضاعفة لتسمم الحمل. كانت الحالة حرجة للغاية: كل دقيقة تمر تزيد من خطر وفاة الأم والجنين. كان لا بد من إجراء العملية فورًا، لكن غرفة العمليات كانت تفتقر حينها لبعض أجهزة المراقبة الحديثة، وجهاز التخدير الاحتياطي كان معطلًا، وفريق التخدير والإنعاش كان محدود العدد بسبب نوبة الليل. اضطررنا إلى الارتجال: تشغيل جهاز مراقبة قديم، والتنسيق بسرعة لفتح البطن واستخراج الجنين خلال 7 دقائق من وصول المريضة. تم إنعاش الطفل فورًا في غرفة العمليات ولحسن الحظ نجا. فقدت الأم كمية كبيرة من الدم ولكن تم نقل الدم إليها في الوقت المناسب، فتجاوزت الخطر. تلك الليلة، كان الفريق مرهقًا لكن مطمئن القلب. ومع ذلك، شعرت بالحزن: لو كانت الظروف أفضل، لكان بإمكاننا تقليل المخاطر من البداية وربما تجنب هذه الحالة الطارئة.
ليس كل النساء الحوامل محظوظات بهذا الشكل. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تموت حوالي 800 امرأة يوميًا بسبب أسباب متعلقة بالحمل — معظمهن في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. في مصر، يبلغ معدل وفيات الأمهات حوالي 37 حالة لكل 100,000 ولادة حية (عام 2022). أهم الأسباب تشمل: النزيف بعد الولادة (حوالي 27%).تسمم الحمل والإصابة بالتشنجات.التهابات ما بعد الولادة.الانصمام بالسائل الأمنيوسي.مضاعفات الولادة العسيرة.كثير من هذه الحالات يمكن الوقاية منها إذا تم التشخيص والمعالجة المبكرة في مرافق مجهزة وذات كادر متخصص.
خطر وفاة الأم والجنين: في حالات مثل انفصال المشيمة المبكر، المشيمة المتقدمة، تمزق الرحم… كل دقيقة تأخير تقلل فرص نجاة الجنين وتزيد خطر النزيف المهدد للحياة للأم.آثار طويلة الأمد: بعض النساء يبقين على قيد الحياة لكن بعد استئصال الرحم، ما يؤدي إلى العقم الدائم. أخريات قد يصبن بضرر في الكلى أو الكبد أو القلب بسبب الصدمة النزيفية.تأثير نفسي: الصدمة الناتجة عن مضاعفات الولادة قد تسبب اكتئاب ما بعد الولادة، واضطرابات القلق، أو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
نجاح العملية التي أجريتها كان بفضل الخبرة وتعاون الفريق، لكن لا يمكن إنكار أننا كنا محظوظين. في ظروف أسوأ أو مع تأخير أطول، كان من الممكن أن تكون النتيجة مختلفة. المرفق الطبي المعتمد في أمراض النساء والتوليد يجب أن يتوافر فيه: أجهزة كاملة: جهاز مراقبة نبض الجنين (CTG) بشكل مستمر، جهاز موجات فوق صوتية دوبلر، جهاز تخدير حديث، ونظام إنعاش للأطفال حديثي الولادة.غرفة عمليات وإنعاش معقمة: لضمان السيطرة على العدوى وسلامة التخدير.كادر متخصص: أطباء نساء وتوليد، تخدير، أطفال، ممرضات وقابلات مؤهلات ومدربات بانتظام.بروتوكولات استجابة سريعة: لأن كل دقيقة في طوارئ التوليد ثمينة، يجب أن تكون هناك آلية تنسيق واضحة بين التخصصات.قدرة على إجراء التحاليل ونقل الدم بشكل عاجل: لمعالجة فقدان الدم أو اضطرابات التخثر فورًا.
قليلون يعلمون أن مضاعفات الحمل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأمراض القلب، لكن الحقيقة تؤكد ذلك: تسمم الحمل يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب مستقبلًا بمعدل 2–4 مرات.النزيف الحاد يمكن أن يؤدي إلى فشل قلبي حاد بسبب فقر الدم.النساء اللواتي يعانين أمراض قلب كامنة (مثل أمراض صمامات القلب أو أمراض القلب الخلقية) يواجهن مخاطر كبيرة أثناء الحمل إذا لم يتم اكتشافها مسبقًا.لذلك، فإن الفحص القلبي قبل وأثناء الحمل مهم جدًا: قياس ضغط الدم بانتظام.تحليل سكر الدم والدهون.إجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية للقلب للنساء اللواتي لديهن أعراض أو تاريخ مرضي قلبي.
من تلك العملية الطارئة تعلمت أن: المهارة والتنسيق أمران مهمان، لكن لا يمكن أن يحلّا محل الأنظمة الحديثة والمعدات المتطورة.يجب متابعة كل حامل عن كثب قبل الحمل، خاصةً ذوات الخطورة العالية (أمراض مزمنة، تسمم حمل، حمل متعدد…).الاستثمار في رعاية الأمومة ليس إنقاذ حالة ولادة واحدة — بل حماية أسرة كاملة.أدعو كل الأزواج، خاصةً في المناطق الريفية أو التي يصعب الوصول إليها طبيًا، إلى: إجراء فحوص ما قبل الحمل في مراكز موثوقة.عدم تجاهل الأعراض المقلقة مثل آلام البطن الشديدة، النزيف أثناء الحمل، أو التورم والصداع المستمر.اختيار مكان ولادة مجهز بالكامل للطوارئ.
نجاح عملية في ظروف صعبة قصة جميلة، لكن لا ينبغي أن نعتمد عليها. ما نحتاجه هو نظام صحي استباقي، محترف، ومجهز جيدًا، حتى تكون كل ولادة آمنة كأمر طبيعي، وليس كمعجزة. حماية صحة الأمهات وحديثي الولادة هي حماية لمستقبل المجتمع. وبالنسبة لي، كل حياة يتم إنقاذها اليوم هي دليل على قيمة العلم، وأخلاقيات المهنة، والاستثمار الصحيح في الرعاية الصحية.